أبي المعالي القونوي

11

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

فالكتب الأربعة المذكورة جداول بحر أحكام مرتبة الإنسان المستورة ، وباقي المراتب الوجوديّة التفصيليّة يتعيّن فيما بين هذه الأمّهات العلويّة ، فإنّه عليها تترتّب أحكام النسب الأصليّة ، وما يتبعها من الأسماء المتصرّفة في العوالم الملكيّة والجبروتيّة والملكوتيّة ، وأشخاص الموجودات مظاهر دقائق الأسماء والصفات . فمن كان مظهرا لإحدى هذه المراتب الخمس ، قربت نسبته منها في حضرة القدس ؛ فإنّ حكم تلك المرتبة الأصليّة فيه يكون أظهر وأبين ، ونسبة كلامه وما يخاطب به من جهة الحقّ من حيث تلك المرتبة أشدّ وأمكن . ولكلّ مرتبة من هذه الخمس كمال ربّاني يبدو حكمه ويدوم بحسب قبول مظهره الإنساني . ومن كان مقامه نقطة وسط الدائرة وسلم من « 1 » الأطراف الجائرة كنبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّ كلامه يكون أعمّ حكما ، والتنزيلات الواردة عليه أعظم إحاطة ، وأجمع علما ؛ لاستيعابه أحكام المراتب وحيطته لها ، فليس يخرج شيء عن حكم مقامه وقبضته . ولهذا المقام أسرار سترت بإقرار وإنكار ، وأقرّت في منزلها ؛ خوفا من إظهارها في غير وقتها ، وقبل بلوغ محلّها ، ولو جاز إفشاؤها لأبرزت إليكم ، وتليت آياتها عليكم ، ولكن سرّ قوله تعالى : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ « 2 » - ولم يقل : ما نزّل إليك ، ولا كلّ ما أنزل عليك ، وغير ذلك من الإشارات الإلهيّة والحكم - منع من التصريح بما هنالك ، فوجب اعتبار التنبيه الإلهي ، والوقوف عند ذلك . ثمّ إنّه لمّا وقف العبد على خزائن هذه الأسرار ، واستجلى منها ما شاء اللّه عند رفع الأستار ، لم يجد « 3 » إلّا « 4 » من جانب الحقّ لإظهار ما جاد به ؛ باعثا يوجب الإفادة والإخبار ، ولا رغبة - بحمد اللّه - إلى طلب الظهور بالإظهار ، فرجّح السكوت والكتمان ، وغلّب بالتوفيق الإلهي حكم الإخفاء على الإعلان . ولم يزل هذا حاله إلى أن جدّد له الحقّ داعية العزم كرّة أخرى ، من حيث السفر فيه على التوجّه إليه ، والتعرّض لنفحات جوده ، والإقبال

--> ( 1 ) . ق ، ه : جذبات . ( 2 ) . النحل ( 16 ) الآية 44 . ( 3 ) . ساقطة من ق . ( 4 ) . الإلّ : العهد ، الأصل . في بعض النسخ : أولا .